الضربات الأميركية في سوريا: ما حصل وما سيحصل

الضربات الأميركية في سوريا: ما حصل وما سيحصل

علي شهاب | الميادين

فعلها “المقاول” ترامب.

حجم الضربة عسكرياً وظرفها وطبيعتها ونتائجها لا يرقى بالتأكيد إلى مستوى غضب واشنطن وحلفائها إعلامياً.

قبل الخوض في تبعات ما حصل، لنقف قليلاً عند شهادتين هامتّين:

– شهادة قائد القوات الأميركية في القيادة المركزية جوزيف فوتيل أمام الكونغرس.

– كلام ملك الأردن عبد الله الثاني في الساعات القليلة الماضية للصحافة الأميركية.

قبل أسبوعين تقريباً شددّ فوتيل، في شهادته أمام الكونغرس في شقّها السوري، على ضرورة ضمان “فعالية قوات سوريا الديموقراطية”، بموازاة مدحه للأتراك. قبل عشرة أيام من تلك الشهادة، كان فوتيل نفسه قد أعلن أن بقاء القوات الأميركية في سوريا “طويل الأمد”.

كلام فوتيل يؤشر بقوة إلى سياق السياسة الأميركية في شمال سوريا، وعند الحدود السورية – العراقية تحديداً. سنعود لهذه المسألة بعد استعراض الشقّ الثاني من الخطة الأميركية، والتي أفصح عنها بوضوح ملك الأردن قبل ساعات قليلة من الضربات الأميركية.

يقول ملك الأردن في حديثه الصحفي إنّ “المشكلة الوحيدة هي أن الإرهابيين سيضطرون للتوجه جنوباً. إنه تحدّ، لكننا مستعدون لمواجهته بالتنسيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا”، ثم يتابع “هناك محاولة لإيجاد تواصل جغرافي بين إيران والعراق وسوريا وحزب الله في لبنان. لقد ناقشت ذلك مع الرئيس بوتين، وهو يدرك جيداً نوايا إيران الاستراتيجية بأن يكون لها نفوذ هناك. الحرس الثوري الإيراني على بعد 70 كيلومتراً تقريباً من حدود الأردن، والحال كذلك يجب أيضاً أخذ المعادلة الإسرائيلية في الحسبان. “لقد كنا في غاية الوضوح مع روسيا، بأن مجيء لاعبين آخرين، من تنظيمات وغيرهم، إلى حدودنا لن يتم التهاون معه، وأعتقد أننا وصلنا إلى تفاهم مع روسيا بهذا الخصوص”.

تفيد القراءة الميدانية، كما السياسية، للأحداث في سوريا منذ شهرين تقريباً بوجود “خط أحمر” أميركي يرسم حدود مصلحة واشنطن في سوريا: الحدود العراقية – السورية والحدود الأردنية – السورية (ليس المقصود هنا كل الجبهة الجنوبية باعتبار أنّه للجولان حسابات مختلفة).

ببساطةٍ، لا تحتمل الولايات المتحدة أن ينشئ حلفاء إيران خطاً مفتوحاً يتجاوز دير الزور والرقّة ويمتد من الحدود مع العراق مروراً بالساحل إلى لبنان. في الجنوب، لا تحتمل واشنطن أيضاً وجود “تهديدات” للحليف الأردني، مهما كانت مسميّات هذا التهديد.

لهذا انصبّ اهتمام الأميركيين أخيراً على دعم قوات سوريا الديموقراطية، مع مراعاة الحساسية التركية التي أعلنت نهاية “درع الفرات” بعد أن تمّ إبلاغها بالتوجه الأميركي الجديد.

لم تكد تمضي ساعتان على حادثة “خان شيخون” حتى كانت آليات خاصّة لفحص واختبار الإشعاعات والمواد الكيميائية والبيولوجية، تابعة لإدارة “أفاد” التركية تعبر الحدود السورية متجهة إلى مدينة إدلب. بالتوازي، كانت “أحرار الشام” والفصائل المحسوبة على أنقرة ترسل دعواتها للصحفيين والإعلاميين للدخول إلى سوريا و”توثيق جرائم الأسد” مع التعهد بحمايتهم!

قبل ثلاث ساعات من الضربة الأميركية، كانت مراصد المسلحين تروّج لاحتمال حصول “مجزرة” جديدة، في وقتٍ أطلق المسلحون معركةً عند جبهة الساحل بهدف تشتيت الأنظار (مسار المعركة وأداء المسلحين يؤكد ذلك).

كثيرةٌ كانت المؤشرات على سيناريو الضربة المقررة مسبقاً.

جنوبًأ، يعزز الأردن دعمه للعشائر و”جيش سوريا الجديد” عند الحدود مع سوريا بدعوى الخشية من داعش، والخوف من أن يملأ “حلفاء إيران” الفراغ الجنوبي في حال تقرر حسم المعركة هناك.

ولتكريس النفوذ الأميركي، عبر الوكلاء وبإشراف عسكري مباشر، قررّ ترامب أن ما حدث في “خان شيخون” هو فرصة لتوجيه رسائل متعددة الأطراف؛ المعني بها روسيا أولًا وإيران وحلفاؤها ثانياً، على أن يدفع الحلفاء العرب الذين تقاطروا إلى ترامب أخيراً فاتورة التحرك العسكري المحدود حتى الساعة، في حين تتولى إسرائيل التهليل وتحفيز العرب لدفع المزيد.

بلغت الدعاية الأميركية ذروتها بجواب ترامب على سؤال صحفي، أثناء مؤتمره الصحفي مع ملك الأردن، بقوله إنه “سترون ما سنفعله قريباً في سياق الرد على حزب الله في سوريا”.

حتى الساعة، جميع مواقف الأطراف المعنية إزاء الضربة الأميركية واضحة ومتوقعة وضمن سقف اللعبة المفهومة، لكن عامل “حزب الله – اسرائيل” بات من الحساسية والدقّة بمستوى أنه قد يخلط جميع الحسابات.

بعد الرد السوري الأخير على الغارة الاسرائيلية، باتت تل أبيب أكثر حذراً بالتأكيد، خاصةً وأن الموقف الروسي، الذي يعتبر دمشق تحت حمايته، جاء مخالفاً لتوقعات نتنياهو. لكن الضربة الأميركية الأخيرة قد تسيل لعاب تل أبيب، في حال تبينّ أن الجيش السوري وحلفاؤه لم يتراجعوا بفعل المستجد الأميركي.

واكبت إسرائيل ظروف الضربة بدقة بالأمس. كانت طائراتها تحلّق على مرتفعات شاهقة فوق البحر على طول الساحل اللبناني.

حتى اللحظة، لا تشي حسابات إسرائيل بأنها مستعدة للذهاب الى الحرب، وهي تعيد حساباتها بنظرية “معركة بين حربين”. مناوراتها الأخيرة تقوم على سيناريو “الرد على الرد”، باعتبارها باتت أكثر احتمالاً لحصول ردٍ على غاراتها في سوريا.

إعلاميًا تريح الضربة الأميركية إسرائيل وحلفاءها، لكن على هؤلاء قراءة ما ختم به فوتيل شهادته أمام الكونغرس “أميركا لا تقاتل نيابة عن حلفائها”.

مجدداً سيرسم الصراع بين حزب الله وإسرائيل مسار الحرب في سوريا.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.