داعش Everywhere

علي شهاب – الميادين نت

يصف إبن خلدون العرب في مقدّمته فيقول إنهم “بطبيعة التوحّش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث.. إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب.. والسبب في ذلك أنهم أمّة وحشية باستحكام عوائد التوحّش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة..لا يكلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم ولا يرون لها قيمة ولا قسطاً من الأجر والثمن.. ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، أنما همّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً وغرامة.. وأيضاً فهم متنافسون في الرئاسة وقلّ أن يُسلّم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء.. لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة”.

ثم يتطرّق في باب أن “العرب أبعد الناس عن الصنائع بالقول “والسبب في ذلك أنهم أعرق في البداوة وأبعد عن العمران الحضري وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها.. والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوّة البحر الرومي أقوم الناس عليها لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البداوة وعمرانه. ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في السلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر، وانظر بلاد العجم من الصين والهند والترك وأمم النصرانية كيف استكثرت فيهم الصنائع”.

أتفقُ مع القائلين بأن ابن خلدون كان قاسياً في وصف العرب عموماً، فهو قد أسقط العديد من إنجازاتهم، وفي طليعتها الثالوث الأسطوري:

– “آراب أيدول”.

– “أرابز غات تالنت”.

– “عربي أنا إخشيني”.

أما مناسبة استحضارنا لكل هذا المديح التاريخي من مقدّمة المؤرّخ العربي الأشهر فهو الحدث المُتمثّل بهزيمة داعش العسكرية في الموصل العراقية وإطباق الحصار عليها في الرقّة السورية. حالياً يتنافس المحلّلون في تفسير واستشراف الحدث وأبعاده. ومع أني أكره أن ألعب دور “البومة” التي تنعق بالتشاؤم، إلا أنّ حال العرب عموماً – قبل داعش وبعدها وبغضّ النظر عنها – لا يُنبئ بأننا قادرون على اللحاق بركب الألفية الثالثة فكرياً وعلمياً وصناعياً واقتصادياً وحضارياً… بل وحتى “غات تالنتياً”. ومشكلة العرب الجوهرية التي لم يفطن إليها إبن خلدون وأمثاله أنهم “مثيرون”. نعم يا سادة. العرب مثيرون. كل ما فيهم مثير.. للفتن. هذا شأن مرتبطٌ بالجينات. ولا دخل لنظرية المؤامرة به.

ما عليكم سوى الدخول إلى صفحات الفايسبوك والتويتر لمتابعة نسخة الألفية الثالثة من “داحس والغبراء” أونلاين في بثّ مباشر عند تناول أية فكرة سياسية أو دينية، أو مراقبة تطوّر الـ”trend” في أيّ بلد عربي من “#امك_ولا_الكراش” وصولاً حتى “#هل_تتزوّج_فتاه_تجيها_الدورة” ! (اه والله…زمبؤلك كده!). وفقط في بلاد العرب، يمكنك فهم أصول المذاهب وعقائدها واختلافاتها بقراءة سيل الشتائم بين مضارب “بني جهل” تعليقاً على أغنية رومانسية لمطربة على اليوتيوب!

أقف عند تناول ظاهرة الحوار لأن التطرّق إلى بقية الأمور كالبحث العلمي ودعم الشباب وتمكين المرأة وأساليب التربية وقوانين العمل وما شاكل هو مضيعة للوقت عندنا ولا يرقى حتى إلى مستوى الترف الفكري. وهذا يدفعنا ملياً للتفكير بقول محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. هل كان يعيش حينها في بلاد العرب أم أنه كان قد انتقل إلى باريس؟!

يُحكى أنّ بهلولاً سُئل يوماً:” أتعُدُّ المجانين”؟ فأجاب: “هذا يطول ولكني أعدُّ العقلاء”.

اللّهم ارحم بهلولاً ودرويشاً وإبن خلدون..و اضرب المجانين بالظالمين وأخرجنا من بينهم مبسوطين!

Ali Shehab

Writer & Filmmaker.

%d bloggers like this: